ابن كثير
131
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الفج بين الجبلين . وقال ابن عباس صار البحر اثني عشر طريقا لكل سبط طريق ، وزاد السدي : وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض ، وقام الماء على حيلة كالحيطان . وبعث اللّه الريح إلى قعر البحر فلفحته ، فصار يبسا كوجه الأرض ، قال اللّه تعالى : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى [ طه : 77 ] . وقال في هذه القصة وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ أي هنا لك . قال ابن عباس وعطاء الخراساني وقتادة والسدي وَأَزْلَفْنا أي قربنا من البحر فرعون وجنوده ، وأدنيناهم إليه وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أي أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم ، فلم يهلك منهم أحد ، وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك . وروى ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا شبابة ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد اللّه هو ابن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك ، فأمر بشاة فذبحت ، وقال : لا واللّه لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط ، فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر ، فقال له : انفرق ، فقال له البحر : قد استكبرت يا موسى ، وهل انفرقت لأحد من ولد آدم ، فأنفرق لك ؟ قال ، ومع موسى رجل على حصان له ، فقال له ذلك الرجل ، أين أمرت يا نبي اللّه ؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه ، قال : واللّه ما كذب ولا كذبت ، ثم اقتحم الثانية فسبح ثم خرج ، فقال : أين أمرت يا نبي اللّه ؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه . قال : واللّه ما كذب ولا كذبت ، قال : فأوحى اللّه إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه موسى بعصاه ، فانفلق ، فكان فيه اثنا عشر سبطا لكل سبط طريق يتراءون ، فلما خرج أصحاب موسى ، وتتام أصحاب فرعون ، التقى البحر عليهم فأغرقهم . وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد اللّه قال : فلما خرج آخر أصحاب موسى ، وتكامل أصحاب فرعون ، انطم عليهم البحر ، فما رئي سواد أكثر من يومئذ ، وغرق فرعون لعنه اللّه ، ثم قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد اللّه المؤمنين ، لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ تقدم تفسيره . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 69 إلى 77 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ( 69 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ ( 70 ) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ( 71 ) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) هذا إخبار من اللّه تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء ، أمر اللّه تعالى رسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل ، وعبادة اللّه وحده